ابن كثير

14

البداية والنهاية

وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الابطال بين يدي الصفوف ، والابطال يتصاولون من الفريقين بين يديه ، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل ، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير . وقال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق ، قالوا : ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة ، وقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل ، وعلى الميسرة قباب ( 1 ) بن أشيم الكناني ، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وعلى الخيل خالد بن الوليد ، وخرج الناس على راياتهم ، وسار أبو عبيدة بالمسلمين ، وهو يقول : عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ، يا معاشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ، ومرضاة للرب ، ومدحضة للعار ، ولا تبرحوا مصافكم ، ولا تخطوا إليهم خطوة ، ولا تبدؤهم بالقتال ، واشرعوا الرماح ، واستتروا بالدرق ، والزموا الصمت إلا من ذكر الله . وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم ، ويقول : يا أهل القرآن ، ومستحفظي الكتاب ، وأنصار الهدى والحق ، إن رحمة الله لا تنال ، وجنته لا تدخل بالأماني ، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق ، ألم تسمعوا لقول الله عز وجل * ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ) * إلى آخر الآية ؟ فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم ، وأنتم في قبضته ، وليس لكم ملتحد من دونه . وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول : أيها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الراكب ، واشرعوا الرماح ، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا وثبة الأسد ، فوالذي يرضي الصدق ويثيب عليه ، ويمقت الكذب ويجزي الاحسان إحسانا . لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا ، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم ، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير أولاد الحجل . ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحث على القتال فأبلغ في كلام طويل . ثم قال حين تواجه الناس : يا معشر أهل الاسلام حضر ما ترون ، فهذا رسول الله والجنة أمامكم ، والشيطان والنار خلفكم ، وحرض أبو سفيان النساء فقال : من رأيتنه فارا فاضربنه بهذه الأحجار والعصي حتى يرجع . وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد ، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم . وقسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة ، وفرقة وراء الميسرة ، لئلا يفر الناس وليكونوا ردءا لهم من ورائهم . فقال له أصحابه : افعل ما أراك الله ، وامتثلوا ما أشار به خالد رضي الله عنه . وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد ، والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله ، فالله المستعان وعليه التكلان . وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام ، وهو أفضل من هناك من الصحابة ، وكان من

--> ( 1 ) تقدم ذكره : قباث .